السعادة في العمل: حقيقة أم خرافة؟

السعادة في العمل: حقيقة أم خرافة؟

يعتبر ضمان سعادة الموظفين في مكان العمل واحدًا من أهم التحديات التي تواجه المدراء ومسؤولي الموارد البشرية. تعرف الدكتورة إمليانا سيمون توماس، أستاذة متخصصة في علوم السعادة، السعادة في العمل كالآتي: ”هي الشعور بإحساس عام بالمتعة في العمل، والقدرة على التعامل مع النكسات بأمان، والقدرة على التواصل بشكل ودي مع الزملاء والعملاء، والإيمان بأن عملك مهم لك ولشركتك.“ يعني أن السعادة في العمل مرتبطة بشكل أساسي بتلك النتائج الإيجابية المُنتَظرة من طرف الموظفين ومدرائهم. إنها الوقود الذي يحرك عجلة الشركة ويقودها إلى درب النجاح.

وبحسب دراسة قام بها مجموعة من الباحثين في جامعة أكسفورد حول العلاقة التي تجمع بين سعادة الموظف في عمله ومردوديته، تبين أن الموظفين الذين يشعرون بالسعادة في مكان عملهم يشتغلون بشكل أسرع ويقومون بمهام أكثر خلال ساعات الدوام بنسبة تصل إلى ١٣٪، مقارنة بأقرانهم الذين يعانون نفسيًا في بيئة عملهم. 

بين الراتب المجزي وبيئة العمل الصحية ومرونة القواعد، تختلف مصادر السعادة من موظف إلى آخر. يرتبط الأمر بمجال العمل، وطريقة الإدارة وأيضًا ثقافة الشركة. لكن مهما تعددت المصادر، تبقى الغاية واحدة: شعور جميل يرخي بإيجابيته على عمل الموظفين ومردوديتهم. بلغة الأرقام، وحسب بحث قام به موقع Ipsos، فإن ٤٣٪ من السعوديين يؤكدون أن مصدر سعادتهم في العمل يعود إلى طبيعة العمل الخلاقة التي تترك أثرًا إيجابيًا على المجتمع.

سألنا مجموعة من الموظفين السعوديين على أكثر الأشياء التي تسعدهم في عملهم، وجاءت إجاباتهم كالتالي:

القيم الإنسانية التي يغذيها التواصل الصحي بين أعضاء الفريق

“بالنسبة لي، أهم ما يساهم في الرفع من سعادة الموظف هو التواصل الصحي بين أفراد الفريق كيفما كان منصبهم. عندما ألمس شفافية في معاملاتي اليومية مع مديري، أو أسمع كلمات من قبيل “من فضلك” أو “شكرًا”، فأنا أحس أنني أعمل مع مديري وليس لأجله. 

أتذكر في إحدى الشركات التي اشتغلت بها سابقًا، كانت بيئة العمل السائدة تتسم بإيجابية قوية جعلتنا جميعًا كأعضاء نفس الفريق نحس وكأننا عائلة. كنّا حقًا نهتم ببعضنا دون نوايا مُضمرة. صراحة، ليس لدي قصة محددة لأحكيها، لكن تلك الأشياء الصغيرة التي كنا نعيشها طيلة اليوم، هي ما كانت تصنع الفرق.

مثلًا، كان هناك زميل لي يتصل بي كل يوم ليخبرني أنه حضر لي كوب قهوة؛ وبحكم أنني فنانة تشكيلية في أوقات فراغي، فإن مديري في العمل كان دائم الحرص على مساندتي وتوفير جميع التسهيلات المتاحة من أجل مساعدتي على التركيز على فني خارج ساعات الدوام؛ حتى أنه عندما يمرض أحد أعضاء الفريق أو يمر من فترة عصيبة في الشغل أو حياته الخاصة، فإن باقي الزملاء يتسابقون لمد يد العون وإتمام جزء من مهامه.” – رحمة عبد الله، مهندسة بترول  

إن ما يساهم في خلق بيئة عمل إيجابية ومثمرة هو الطاقة التي يتشاركها الموظفون فيما بينهم. حيث أنه كلما كانت جسور التواصل والتعامل بين الزملاء أكثر إنسانية، كلما ساهم الأمر في بناء جو عمل محفز يبعث على الرضى والسعادة. هذا ما أكدته الدراسة التي قام بها مجموعة من الدكاترة والباحثين من جامعة ويسكونسين ماديسون الأمريكية. بعد بحوث دامت لأكثر من ٣٠ سنة، تبين أن الأشخاص الذين يساعدون زملاءهم في العمل ولا يتوانون عن عرض خدماتهم دون التفكير في مقابل لذلك، يتمتعون بسعادة أعلى وتكون مساهمتهم داخل الفريق أكثر تأثيرًا.

المرونة والتأقلم مع ثقافة البلد

“من خلال تجربتي الشخصية، أستطيع القول أن ما يساهم في سعادتي كموظف هو المرونة وعدم التقيد بقواعد وشروط صارمة غير قابلة للتفاوض. في الشركة التي أعمل بها حاليًا، لا يوجد تقيد بالوقت أو ساعات دوام مسطرة مسبقًا للسير عليها. نحن نشتغل على أهداف ومهام أسبوعية. يعني يكفي أن تقوم بالمهمة المنوطة بك في الوقت المحدد مسبقًا حتى لو تطلب الأمر قدومك إلى المكتب على الساعة الواحدة صباحًا والنوم طوال اليوم. هذه القاعدة بالخصوص تتوافق مع المناخ والثقافة السعوديتين. أنا شخصيًا لا أستطيع العمل في حرارة الصباح المفرطة، أو حتى الخروج من منزلي قبل غروب الشمس. وهذا الأمر ينطبق على جميع السعوديين الذين يفضلون خروجات الليل والحياة بعد تدني درجات الحرارة. 

أنا لا أرى نفسي أبدًا أستيقظ في الصباح الباكر للذهاب إلى المكتب على الساعة الثامنة أو التاسعة صباحًا. وهذه المرونة التي يوفرها عملي هي ما تعطيني حافزًا للإبداع والقيام بشغلي على أكمل وجه بطريقة مبتكرة وسريعة تجعل العميل راضٍ على ما قُدم له.” – محمد المغيلدي، مخرج

ولعل هذه المرونة في تطبيق القوانين تماشيًا مع تفرضه طبيعة البلد وثقافته هي ما جعلت المملكة العربية السعودية تتقدم إلى الرتبة ال٢٦ في التقرير السنوي للسعادة لسنة ٢٠٢٢. اعتراف أتى بعد الجهود الجدية للملكة لخلق بيئة عمل محفزة وذات إنتاجية عالية، عبر خلق وظيفة جديدة تحت مسمى “اختصاصي سعادة الموظفين” لفائدة موظفي وزارة الاتصال، منذ ما يقرب الأربع سنوات الآن. 

فريق متعاون ونتائج إيجابية

“السعادة في العمل بالنسبة لي هي اشتغالي مع فريق يتمتع ببديهة خفيفة، ويفهم ما أريد تطبيقه على أرض الواقع، دون الحاجة إلى شرح أفكاري لأكثر من مرة. أستطيع القول أنني أكون في قمة سعادتي عندما أرى نجاح إحدى استراتيجيات التسويق التي وضعتها، وأساعد الشركة على تحقيق الأهداف السنوية المسطرة. هذا الشيء يجعلني أكثر حماسًا للقدوم كل يوم للعمل، لأنني أعلم أن أمامي فرصة جديدة للنجاح وإثبات نفسي في الفريق. 

واحدة من أكثر الإنجازات التي كلما أتذكرها أستعيد في ذاكرتي السعادة التي شعرت بها آنذاك، كانت عندما نظمت معرضًا للسيارات داخل واحد من أكبر مولات مدينة الدمام. اشتغلت مع مجموعة من الفرق، كل حسب مجال تخصصه، على تطبيق الخطة التي وضعتها. صحيح أن المهمة استغرقت مني وقتًا طويلًا واستنزفت الكثير من طاقتي، لكن بمجرد انتهاء المعرض ووصول نتائجه الإيجابية، غمرتني أحاسيس جياشة اختلفت بين الفخر والسعادة.“ – فؤاد*، مدير تسويق في شركة متخصصة في بيع السيارات

لا تقع مسؤولية سعادة الموظفين على عاتق المدراء فحسب، بل تبنيها المحطات والإنجازات التي يمر منها الموظف في حياته العملية والتي تساهم في تعزيز وعيه بجميع محفزات سعادته الشخصية. ويصل الموظف إلى هذه المرحلة بعدما يتم تأمين باقي احتياجاته الأساسية. ترتكز نظرية التحفيز على هرم ماسلو للاحتياجات الإنسانية. تحدد قاعدة الهرم حاجات الإنسانية الفيزيولوجية، ثم تتبعها الحاجات الأمنية، وبعدها الحاجات الاجتماعية، ثم الحاجة للتقدير، وأخيرًا الحاجات الذاتية من ابتكار وحل للمشاكل وتقبل للحقائق.

الراتب المُرضي الذي يسد الحاجيات الشخصية

”الشيء الذي يجعلني سعيد بما أقوم به يوميًا في عملي هو بكل صراحة الراتب. لن أخفيك سرًا أنني كشاب سعودي لدي احتياجات شخصية عديدة، فأنا أرغب بالزواج، وكما تعلمين المهر في السعودية مرتفع جدًا، لذلك فأنا مُلزَم بتوفير المال الكافي للقيام بهذه الخطوة في حياتي.

أنا أؤمن بفكرة أن لكل عمل مبذول جزاء يكفيه حقه. لهذا أجد نفسي، في كل تجربة عمل جديدة، شديد الحرص على حصولي على راتب مجزٍ يوافق كفاءاتي ومهاراتي التي استغرقت سنين عديدة في صقلها. 

سعادتي بكل بساطة هي حسابي البنكي الذي يزيد نموًا عند بداية كل شهر.“ – مراد*، مصمم غرافيك

مع التقدم والتطور السريعين الذين يعرفهما العالم، أصبح من الصعب مواكبة هذا التغيير في ظل متطلبات الحياة اليومية. بين الالتزامات الشخصية والعائلية، تبقى سعادة الفرد مرتبطة بمدى سده لجميع احتياجاته، وفي غالب الأحيان، لا يتحقق هذا الأمر إلّا بدخل قار وكافٍ لتحقيق كل ما يستوجبه العيش الكريم. فبحسب دراسة قام بها موقع CareerBliss حول أكثر من ٤٠,٠٠٠ مراجعة عمل، تبين أن سعادة الموظفين مرتبطة بالفعل بمدى ما يجنونه. حيث أن تقييم السعادة في العمل بالنسبة للأشخاص الذين يفوق راتبهم ٤٠ ألف دولار سنويًا كان يقارب ٣.٥ من ٥، بينما ارتفع هذا الرقم إلى ٣.٨٩ لدى الأشخاص الذين فاق راتبهم السنوي ٣٠٠ ألف دولار.

حب المرضى ودعواتهم لي

”بحكم مجال اشتغالي كطبيبة واحتكاكي بالمرضى وذويهم بشكل يومي، فإن سعادتي مرتبطة بشكل مباشر بهذه الفئة من الناس. أكثر ما يسعدني خلال ساعات الدوام ويخفف علي الضغظ اليومي هو دعوات المرضى وأهاليهم لي وابتساماتهم الصادقة التي تعكس مدى امتنانهم على ما أقوم به. عندما يأتي مريض إلي ويدعي لي بالسعادة والتوفيق، هذا يساوي بالنسبة لي الدنيا وما فيها. 

أتذكر في أحد الأيام، كان هناك مريض اعتاد القدوم عندي من أجل العلاج. في إحدى المرات كان جدول عملي مزدحمًا ولم أستطع استقباله، فرفض التعامل مع أي طبيب آخر في المستشفى، وأصر على مقابلتي من أجل الكشف عنه. حب الناس لي وثقتهم بي يحسسني بالفخر وبقيمتي كإنسانة منتِجة في المجتمع.“ – فاطمة*، طبيبة

”السعادة رحلة، وليست محطة.“ هكذا تقول الأستاذة سلطانة عبد المغني العمري، أول سفيرة نوايا حسنة للسعادة في المملكة العربية السعودية. إنها شعور نبيل يساعد الفرد على تجاوز تحديات الحياة اليومية بروح ملؤها التفاؤل والأمل. وتساهم العلاقات الاجتماعية الإيجابية في تغذية هذا الشعور الذي يعتبر محفزًا فقط للمضي للأمام، وليس غاية في حد ذاته.

في وقت أصبحت فيه السعادة في العمل والصحة النفسية أولوية أغلب الموظفين الذين يبحثون عن التوازن في حياتهم المهنية والشخصية، نرى أن أغلب الشركات صارت أكثر وعيًا بأهمية توفير بيئة عمل مناسبة لنمو الموظف من أجل ضمان تحفيز مستمر ومردودية عالية. فكما هناك تجربة العملاء، حان الآن الوقت للحديث أكثر عن ”تجربة الموظفين“.

0 Shares: