الموارد البشرية والتحوّل الرقمي: كيف تحضّر بيئة مستعدّة لتحديات المستقبل

الموارد البشرية والتحوّل الرقمي: كيف تحضّر بيئة مستعدّة لتحديات المستقبل

في ظل المنافسة التي تشهدها الأسواق العالمية، من الطبيعي أن تلجأ البلدان إلى تعزيز قدرتها التنافسية من أجل ضمان نموّها الاقتصادي الضروري لخلق فرص العمل، وتطوير قدرات الموارد البشرية، وتمويل السياسات الاجتماعية في المجالات كافّةً كالتعليم والصحّة…إلخ. في هذا السياق، تأتي المملكة العربية السعودية في طليعة الدول التي تسعى إلى تعزيز القيم، وتطوير مهارات المستقبل، من خلال دفع المنشآت نحو التحول الرقمي الذي من شأنه أن يسهم في نشر ثقافة الابتكار، ورفع مستوى ريادة الأعمال، وتفعيل الممكّنات الوظيفيّة بما يتماشى مع رؤية المملكة 2030.

ما هي العلاقة بين مشاركة الموظّف والتحوّل الرقمي؟ 

تُظهر الأرقام أنّ المؤسّسات السعودية اليوم متعطّشة ليس فقط للأشخاص الذين لديهم مهارات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM)، ولكن أيضًا للذين يبرزون استعدادًا لصقل مهاراتهم الرقمية وتفعيل أطر التغيير والمشاركة في مجتمعاتهم الوظيفية. وبالرغم من أنّ أكثر من 58٪ من المديرين التنفيذيين للموارد البشرية في المملكة يستخدمون التحليلات التنبؤية لاستقطاب موظّفين جدد، وتحسين جودة المشاركة بين الموظّفين – تزامنًا مع استراتيجيات التحوّل الوطنية التي تروم تعزيز العمليات التجارية والكفاءات – فإنّ السؤال الأساسي الذي يبقى مطروحًا دائمًا في كل عملية تحول: كيف تصبح ثقافة المنشأة الرقمية أسلوب حياة، لا مجرّد عمليّة طارئة للالتحاق بسبق المنافسة العالمية؟

الجواب يكمن في فهم ما يريده الموظّفون اليوم؛ إذ إنّ التحول الرقمي لا يتعلّق بالتكنولوجيا أو الأتمتة وحسب، بل بتطلّعات الموظّفين وتوقّعات العملاء. يغيّر التحول الرقمي ذهنية إنشاء المؤسسات للقيم التي يتوقّعها العملاء النهائيون منها، ولن يكون أي من ذلك ممكنًا بدون موظّفين مرنين مستعدّين للتغيير. التكنولوجيا رائعة، لكن الشركات تحتاج إلى التأكّد من أنّها تقوم بتمكين الموظّفين في مسار أو رحلة التحوّل الرقمي. 

فمن المعروف أنّ إضفاء الطابع الرقمي على الموارد البشرية يؤدّي إلى تغيير كل شيء في طريقة عملنا، بما في ذلك طبيعة العمل، والهياكل المهنية، والمعرفة، وتوقّعات الموظّفين، والمهارات اللازمة لأداء العمل. في الواقع، معظم الناس بطبيعتهم لا يقاومون التغيير، ولكن يشكّكون فيه. في حالة التحول الرقمي، ومع الحديث عن ضرورة إدخال التكنولوجيا مثل الروبوتات والتقنيات السحابية، من الطبيعي أن يتساءل الموظّفون: كيف سيؤثّر هذا التحوّل عليّ وعلى زملائي في العمل؟ كيف ستتغيّر وظيفتي بسبب هذا التحول؟ هل أمتلك المهارات المناسبة للنجاح في هذا البيئة الجديدة؟ كيف ستساعدني الشركة على التعلّم؟ إنّنا مدعوون، قيادةً ورؤساء أقسام، للقيام بعمل أفضل في توصيل ماهية التحول الرقمي وكيف سيؤثّر في منشآتنا، ولكن الأهم من ذلك ما الذي يمكننا فعله لإعداد القوى العاملة لتحديات المستقبل – والتي باتت اليوم تبحث عن تجربة، لا مجرّد وظيفة. لا شكّ أنّ هذا التحول يضع الكثير من الضغط على المنشآت للتكيّف بشكل أسرع من ذي قبل، خصوصًا وإنّنا أصبحنا نعيش في زمن “ما بعد الجائحة” في عالم متّصل للغاية، يطلب الناس فيه مزيدًا من الحرية والمرونة.

يبدو أنّ مفتاح النجاح، هو تحضير بيئة عمل قائمة على مساحة إبداعية مشتركة وبناء نموذج جديد للقيادة والتطوير الوظيفي؛ إذ بمجرّد أن تدرك المنشآت الفوائد والأرباح التي تعود عليها من اتّباع نهج الابتكار في عملها، ستحفّز الموظّفين على تبني الثقافة الرقمية، وتدفعهم تاليًا إلى التغيير والمشاركة في صناعة القرارات ضمن أقسامهم وفرقهم. وعلى الرغم من أن وحدات الاتصالات التنفيذية تُعدّ أساسًا جيدًا في رؤية الشركات والتوجهات العامة، إلّا أنّ من المرجّح أن يشعر الموظفون براحة أكبر في مناقشة نقاط التحول الرئيسية عند معرفة تأثيرها في الأعمال اليوميّة من مديريهم المباشرين.

لمواجهة التحديات والفرص التي توفّرها هذه البيئة الناشئة الجديدة، يحتاج متخصّصو الموارد البشرية (HR) والتعلّم والتطوير (L&D) إلى رفع مركزهم في الشركة، بمعنى أن يصبحوا شركاء حقيقيين يرعون إطلاق مبادرات تحويل إدارة الموارد ساهرين على مواكبتها. ولأجل تحريك العجلة في أداء الأعمال، ينبغي وضع إطار لتحديد المهارات والكفاءات ذات الصلة التي يحتاجها القادة والمديرون والموظفون للنجاح. وهذا يعني توفير تجربة تطوير مستمرّة ومترابطة تتوافق مع أهداف العمل المتغيرّة باستمرار. تتجلّى هذه التجربة في الممارسة العملية عبر إنشاء بيئة تنمّي المواهب، تتمحور حول العنصر الرقمي، وترتكز على التعلّم المستدام.

في هذا السياق، تقدّم “بايزات” ثلاث نصائح رئيسة يجب على المنشآت أن تلحظها خلال رحلة التحوّل الرقمي:

١- أخلق بيئة تواكب التطوّر التكنولوجي وتكون مناسبة للتعلّم 

الثابت الوحيد في التحول الرقمي، أنّ لا شيء يبقى على حاله لمدّة طويلة. تتطوّر التقنيات بسرعة وتتراجع قدرة القديمة منها عندما تحل محلّها التقنيات جديدة، ما يؤثّر على نطاق العمل بأكمله بدءًا من الأنظمة وصولًا إلى العمليات اليومية. إنّ التطورات في الاتصالات المتنقّلة، والروبوتات، والهندسة، والبيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، والحوسبة السحابية تبدّل كل شيء مكان العمل، ووحدات التعلّم والتطوير ليست استثناءً.

يمكن للمؤسّسات استخدام هذه التقنيات لتعزيز أنشطة التعلّم والتطوير لأفرادها من خلال منحهم الخبرات الشخصية والبديهية والتفاعلية والتعاونية التي يحتاجون إليها للنمو والتطور والشعور بالتقدير وخلق قيمة للأعمال. التعلّم هو تجربة شخصية، لذا يجدر أن تعكس أدوات التعلْم والمواد التعليمية هده السمة. عندما يشعر الموظّفون بالقدرة على البحث عن فرص التطوير بشكل استباقي، من المفترض أن تواكبهم بيئة تكنولوجيّة عمادها محتوى حديث، وسهل الاستخدام، ومزوّد بمعايير لقياس مدى التقدّم. وبمجرّد أن يشعر الموظّفون أنّهم يعملون في بيئة مناسبة، سيرون أنّه مهما تبدّلت أدوات التحول الرقمي، لا شيء سيمنعهم من تطوير مهارات جديدة تدفعهم للنجاح في وظائفهم –  حتى تلك الأدوات التي لم تُخترع بعد!

٢-اجعل تنمية المواهب أولويةً مستدامة في استراتيجية التحول

إنّ خلق بيئة عمل مناسبة لا يكفي، إذ إنّ استمرارية تطوير المهارات ضروريّة لاكتمال النضج الرقمي أو الوصول إلى مرحلة متقدّمة في رحلة التحوّل. ففي سوق ترتفع فيه وتيرة المنافسة، تتوفّر فرص وظيفية كثيرة لكن تتراجع المهارات وتقلّ جودتها. بمجرّد أن تجتذب المنشآت “أبطالها” الذين انتقتهم بعناية، يجب عليها الاستثمار في تطوير مهاراتهم وصقلها، والحفاظ على عملية مشاركتها، وحماية المعرفة المؤسسية، ودفع نتائج الأعمال.

يُعدّ الوصول إلى المواهب والمهارات المناسبة العائق الداخلي الأوّل لنمو الأعمال، وهو أحد التحديات الرئيسة عندما يكون النمو الذي يركّز على التكنولوجيا الرقمية أولوية حاسمة بالقدر نفسه. لذا، ليس من المستغرب أن يبلّغ واحد على الأقل من كل أربعة موظّفين في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن عدم تطابق في المهارات في ما يتعلّق بالكفاءات المطلوبة في وظائفهم الحالية. ما هو الحل المناسب؟ ببساطة، الاستمرار في دعم الموظّفين من خلال تزويدهم بالموارد والإرشادات التي يحتاجون إليها لتطوير مهارات جديدة ومفيدة وسدّ فجوات الأداء. وجديرٌ بالذكر، أنّه بالنسبة إلى المؤسسات عالية الأداء، التعلّم لا يكفي، بل يجب على السلوك أن يقود الأداء.

بمجرّد مواءمة أهداف الموظّف مع أهداف العمل الاستراتيجية، يمكن للمديري الموارد البشرية تسهيل التدريب والمراجعات خلال اجتماعات التقييم المنتظمة حيث يجري مناقشة الأداء والتقدم المُحرز في الأهداف والتحديات وفرص التطوير الوظيفي.

٣- اجعل عملية صنع القرار من صلب الأداء في المنشأة

تعمل الشركات الناضجة رقميًّا على تغيير طريقة تعلّمها وقيادة موظّفيها في عصر التحول الرقمي. 

بالنسبة إلى العديد من المنشآت، يتحقّق هذا التحول عبر جعل عملية صنع القرار من صلب الأداء الوظيفي. فمن خلال تمكين الأشخاص من تولي المشاريع بشكل مستقل، وتنفيذ أهدافهم والاستجابة بسرعة للأولويات المتغيرة، فإنّ هذه الخطوات تعكس ثقة المديرين في قدرات الموظّفين ما يقوّي عنصر المشاركة ويفعّل أطر الحوار واتخاذ القرارات. وفقًا لدراسة عالمية مشتركة بين شركة “ديلويت” (Doilette) للخدمات التمويليّة و”أم آي تي سلون مانجمنت” (MIT Sloan Management)، ينبغي لنموذج القيادة والتعلّم أن يوائم بين الاستراتيجية والموهبة والثقافة.

فمن ناحية الاستراتيجية، يجدر بالمنشآت التفكير وفقًا لمنظور بعيد المدى، ثمّ العمل بشكلٍ استباقي لرسم استراتيجية واضحة مرتكزة على التحول. ومن جهة الثقافة، ينبغي البدء في تغيير العقليّات الثقافيّة بهدف زيادة التعاون والحثّ على المجازفة. أمّا في إطار القيادة، فإنّ جدول الأعمال يبدأ من القمّة، مرتكزًا على الإمكانات في نقطة التقاطع بين العمل والتكنولوجيا. في هذا الإطار، يؤدّي التخلّص من أسلوب الإدارة القائم على “الإملاءات والتحكّم” إلى تحرير الأشخاص والفرق من دورات إعداد التقارير المرهقة، ما يعزّز المشاركة والإنتاجية. هذا أسهل بكثير عندما يقوم المديرون التنفيذيون للشركات بالتواصل بشكل علني وشفّاف مع الموظّفين موضّحين الأهداف والوضع التنظيمي. يجعل هذا الأسلوب القيادي الجديد الموظّفين لا يكتفون بفهم أهداف المنشأة وحسب، بل يدفعهم بنشاط نحو تحقيق أهدافهم الخاصة التي تدعم نتائج الأعمال.

تعمل المنظمات التي تتبنّى الممارسات الفضلى في إدارة الأهداف بشكل أكثر إنتاجية، لأنّ موظّفيها يفهمون التوقّعات ويعملون في المشاريع الصحيحة، ويتوافقون في المساعدة على تحقيق الأهداف التنظيمية ويكونون أكثر انخراطًا في مجتمعاتهم الوظيفية. ما النتيجة؟ قوى عاملة مرنة يمكنها الاستجابة بسرعة للتغييرات الداخلية والخارجية مهما تبدّلت.

من تحسين المهارات وإعادة الصقل مرورًا بالتزاوج بين الروبوتات والقوى العاملة وصولًا إلى إدارة الأداء وتنمية المواهب التحويلية، إنّ مواجهة تحديات المستقبل لا تتحقّق إلّا عبر التفكير الاستباقي وتوفير المعايير التي تدفع نحو استدامة الابتكار والمواكبة. سيستغرق التحول الرقمي وقتًا، لكن النتائج ستتدفّق إذا ركّزت جهودك على التقنيات التحويلية الصحيحة، وبناء استراتيجية ورؤية تحويلية واضحة المعالم، إلى جانب تأمين برامج تدريبية مواكبة للتطوّر التقني تراعي مهارات الموظّفين، من أعلى الهرم حتّى أسفله.

هل تستعدّ لخوض رحلة التحوّل الرقمي في شركتك؟ تقدّم لك “بايزات” حلولًا مناسبة تساعدك على التحول بخطى ثابتة نحو النجاح.

7 Shares: